هام
انتشرت في الآونة الأخيرة عبر وسائل الإعلام ادعاءات وتصريحات مفادها أن هناك ارتباط بين استخدام خافض الحرارة والألم (پاراسيتامول أو أسيتامينوفين) خلال فترة الحمل، وهو أكثر دواء استخداماً في العالم، واضطراب طيف التوحد، وهذا الأمر لا يتسق أبداً مع البراهين العلمية والدراسات البحثية كما سيتم توضيحه بإجمال كما يلي:
أولاً: تتعرض المرأة الحامل خلال الحمل لكثير من العوامل البيئية بما فيها الأدوية مثل الپاراسيتامول/الأسيتامينوفين، وقد دلت الدراسات على ارتباط احصائي ضعيف وغير دقيق إلا أنها لم تثبت السببية بين الدواء والإصابة باضطراب طيف التوحد، بينما أكدت الدراسات المستفيضة التي تتبعت حوالي 2.5 مليون حامل عدم وجود أي ارتباط بين استخدام (الأسيتامينوفين/پاراسيتامول) وبين الاضطرابات النمائية (طيف التوحد، الإعاقات الذهنية، فرط الحركة وتشتت الانتباه (رابط الدراسة: https://jamanetwork.com/journals/jama/fullarticle/2817406).
مع العلم أن لمسببات ارتفاع الحرارة والألم لدى الحوامل مخاطر كثيرة وثبت ارتباط بعضها بالاضطرابات النمائية، بينما يوجد اتفاق علمي على كون استخدام (الأسيتامينوفين/پاراسيتامول) عند الضرورة آمن.
وبالرغم مما سبق فالحذر واجب قبل وصف أي دواء أثناء الحمل وعليه فإن الجمعية تنصح دائماً باستشارة الأطباء المختصين بالحمل، أخذاً بالاعتبار الموازنة بين احتمال الخطر الناتج من استخدام الدواء مع احتمال الخطر الناتج من عدم استخدامه، واتباع مبادئ الطب المستند على البراهين وتخصيص النصح لكل حالة بشكل متفرد يأخذ كل العوامل المتعلقة بالموضوع في الاعتبار بما يتناسب مع الحالة الفردية تحديداً دون تعميم.
ثانياً: أما بخصوص دواء لوكوڤورين، وهو المكون النشط لفيتامين ب9 (فوليك أسيد أو فوليت) بعد أن يمر بعمليات أيضية في الجسم، فإنه لا توجد براهين علمية تؤيد وصفه بشكل معمم لكل ذوي اضطراب طيف التوحد. من المثبت علمياً أهمية وفائدة تناول الفوليك أسيد أثناء الحمل وتوجد ارتباطات إحصائية مفادها التقليل من نشوء التوحد مؤيدة لذلك. لكن هذا الدواء ليس مجرد فيتامين وله محاذير متعددة وتداخلات دوائية وأعراض جانبية. توجد أمراض نادرة متعلقة بقدرة الخلايا على الإفادة من الفوليك أسيد وبخاصة في الدماغ ما يُسَمّى بنقص الفوليت في المخ (Cerebral folate deficiency)، فإن وصف دواء لوكوڤورين لمن ثبت وجود تلك الأمراض لديهم منطقي وقد يؤدي لتحسن جزئي في بعض الأعراض المصاحبة للتوحد لدى بعض المصابين به. لكن هذه الأمراض نادرة وتصاحبها أعراض عصبية أخرى كثيرة إضافة للسمات التوحدية. أما بالنسبة لوصفه لعامة ذوي اضطراب طيف التوحد فالأمر لا يزال بحاجة للبراهين العلمية اللازمة.
ثالثاً: صرحت الجمعيات العلمية المرجعية المتخصصة عقب التصريحات المثيرة للجدل بأن تلك التصريحات مضللة وبأن المجتمع العلمي والطبي يؤكد على كون خافض الحرارة (پاراسيتامول أو أسيتامينوفين) آمن في الحمل ولا علاقة له بالتوحد، كما أن دواء لوكوڤورين بحاجة للكثير من الدراسات البحثية ولا توجد براهين علمية كافية لاعتماده وتعميمه دواءً لاضطراب طيف التوحد. كما أشارت لخطورة التلميحات التي شملتها التصريحات بخصوص لقاحات التطعيم، حيث شملت هذه الجهات العلمية تخصصات النساء والولادة، وطب الأطفال، والطب النفسي، وطب نمو وسلوك الأطفال، وعلوم التوحد وغيرها.
رابعـاً: وعليه فإن الجمعية السعودية للطب النفسي تهيب بالجميع إلى ضرورة توخي الحذر والحيطة اللازمة في مراجعة المصادر التي تستقي منها المعلومات المبنية على الأدلة العلمية والبراهين البحثية المحكمة، مع أهمية مراجعة المعنيين والهيئات العلمية التخصصية وهي متوفرة ولله الحمد في بلادنا حرسها الله من كل سوء.
ختاماً، ليس اضطراب طيف التوحد مرضاً ذا سبب واحد، بل هو متلازمة تنتج من تغيير جذري يبدأ مع تخلق الدماغ وينتج عن عوامل جينية (مورثة وغير مورثة مثل الطفرات) متعددة (يوجد أكثر من 800 عامل جيني ذو ارتباط بالتوحد) بعضها كافٍ بمفرده وبعضها بحاجة لتعدد العوامل الجينية وبعضها بحاجة للتفاعل مع عوامل بيئية في بداية الحمل، معظمها لا يمكن التنبؤ بها أو الوقاية منها. أما زيادة انتشار التشخيص فهذه مسألة متعلقة بتوسع معايير التشخيص وارتفاع الوعي وعوامل تعزيز التشخيص وتدريب المختصين عليه.
كما تود الجمعية أن تؤكد على أهمية دعم ذوي اضطراب طيف التوحد (خصوصاً الأمهات) بدلاً من إلقاء اللوم عليهم. كما أنه ليس بالإمكان تحميل المسؤولية على الأم أو الأسرة عند نشوء الاضطراب، أيّاً كانت العوامل التي نظن أنها ساهمت في ذلك. كما نرجو من زملائنا الأطباء، سواءً في تخصصات النساء والولادة، أو الأطفال، أو طب الأسرة، ونخص بالذكر الطب النفسي أن تتسع صدورهم لتساؤلات الحوامل والأمهات وذوي أطفال طيف التوحد، وأن يتفهموا قلقهم الناشئ عن المعلومات المغلوطة والشائعة، وأن يخصصوا من الوقت ما يكفي لشرح الأمر حتى يتمكن مراجعوهم من اتخاذ القرارات بناءً على الفهم الصحيح المبني على الأدلة العلمية المبنية على البراهين البحثية لحالة علمنا بالمخاطر المحتملة من الأدوية ولقاحات التطعيم.
الجمعية السعودية للطب النفسي
١٣ جمادى الأولى ١٤٤٧ هجرية
الموافق ٤ نوفمبر ٢٠٢٥ ميلادية
